محمد أبو زهرة
3449
زهرة التفاسير
فقال تعالى : لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 110 ) . البنيان هو الذي بنوه والذي بعث من الكفر ، ومضارة أهل الإيمان ، وتفريق بينهم ، وإرصاد لمن حارب اللّه ورسوله ، هذا البنيان من ريبهم الذي كانوا يترددون فيه دائما ويتنقلون في أجوائه المختلفة بعث عليه ريبهم في دينهم ، وزادهم البناء ببواعثه ريبا ، ولما هدمه النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأحرقه وحقر مكانه ، حتى جعله كناسة تلقى فيه الجيف والقمائم ، زادهم ذلك حقدا وحسدا ، وريبا ونفاقا ؛ لأن هذا النفاق يولد من الحسد والحقد ، فلما ازدادت أسبابه ازدادوا ريبة ، ولذا قال تعالى : لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ لا تزول إلا أن تقطع قلوبهم ، أي لا يزول إلا إذا زالت قلوبهم ، وتقطعت أجزاء ، فما دامت قلوبهم المركسة في النفاق الغائر فيها ، والتي أربدت به ، ولازمتها ملازمة الحسك للصوف ، وهذا النص الكريم تصوير لاستقرار النفاق في القلب ، وتزايده بتزايد المغريات له ، والأعمال المنافقة تقوّى النفاق وتدعمه ، آنا بعد آن ، والريبة هي الريب في كل شئ يفكرون فيه ، وقد يقال : كيف توصف عقيدتهم وحالهم بالريب ، وهم يعتقدون الكفر ، ويظهرون غيره ، ونقول : إن المنافق لا يؤمن بشيء ولا يعتقد شيئا ، وهو غير مؤمن باللّه والرسول ويظهر الإيمان بهما ، ولذا كان منافقا ، ولكنه ليست له عقيدة تحل محل الإيمان باللّه ورسوله ، ولذا هو في حال ريبة مستمرة تمكث في قلبه وتستقر به ، ولا تزول إلا أن تقطع قلوبهم إربا إربا . وقرأ الحسن ( إلى ) بدل ( إلا ) « 1 » أي أن الريبة تستمر حتى يقبروا وتقطع قلوبهم ، وإن هذا البناء الذي بنوه كان يحرك ضغنهم طول حياة الرسول ، ومن بعده في عهد أبى بكر وعمر ، وكان الناس يتذاكرونه ، فيصخون أسماعهم صخا
--> ( 1 ) ( إلى أن تقطع قلوبهم ) هكذا بحرف الجر : قراءة يعقوب ، وقرأ الباقون ( إلا ) على الاستثناء . غاية الاختصار ( 974 ) .